الثلاثاء، 25 فبراير، 2014

ابتسامة بائعة

كنت أبيع في مقصف الثانوية التي كنت أدرس بها, عملت لأحتفظ بالمال لتكملة الدراسة الجامعية في السعودية, لم أكن أملك ذلك المعدل العالي رغم تأهلي على مستوى منطقة مكة في اختراع لجهاز يجد الأغراض الضائعة عن طريق البصمة, رغم علم الجميع بالتميز الذي وصلت له من ابتكارات وبحوث وتدريب وتعليم وثقافة ومعرفة ولغات ولله الحمد, لم أخجل من عملي يوماً ولا مما أفعله,ولا من كلمة عيب أو أنتي مكانك ليس هنا, رغم هذا كنت أفتقر الالتزام والتفوق الدراسي, كنت أدرك أن التميز أهم بكثير من التفوق, وان العلم يكمن في جميع مجالات الحياة ولا يشترط أن ينحصر بكتب واختبارات قصيرة ونظريات وشرح مطول ولا يوجد تطبيق عملي أو حتى تهيئة للحياة الجامعية, أحببت عملي ومشاريعي وبحوثي وبيعي في المقصف المدرسي رغم أن الراتب كان سنوياً إلا أنني كنت أتوق للشهر الذي أستلمه فيه, لم يكن فقراً ولم أكن افتقد المال ولله الحمد, ولكن كانت تجربة رائعة عشتها لا تعوض, وان لم أصرفه كما يجب فقد تعلمت ما يعني مال التعب وعرق الجبين, وشعرت بما يشعر به الكثير والكثير في العالم, كنت أرى وجوهاً كثيرة منها الحزينة ومنها السعيدة والمبتسمة ومنها الكبر والتعالي في عينيها, ولكن كنت أعلم أن خلف كل حزن حزن أكبر, وخلف كل ابتسامة هموم وأوجاع, وخلف كل تعالي هناك نقص في الأهل أو حتى الشخصية, فكنت أتعامل معهم مع الاحتياج الذي يأتونني فيه, أعلم أنه الله لم يرسلهم للشراء فقط, ولكن أرسلهم لغرض آخر, لازلت وحتى يومي هذا أحاول استيعابه, ولكنني أدركت أمراً مهماً جداً هو أن أعطي شيئاً واحداً فقط للجميع, ولكن عطائي لكل شخص يختلف عن آخر, فتعلمت أن ابتسم للجميع "بصدق" ولكن لكل شخص منهم صدق يطفئ حاجته الداخلية, نحن لم ندرك او نفهم بعضنا كما أننا لم نعلم ما نحتاج فعلاً, الأذن ليست الحاسة الوحيدة للسمع, فنحن نستطيع السمع بقلوبنا, بأعيننا, وبكل عضو في جسدنا وكل نعمة الله رزقنا إياها نستطيع استخدامها فيما نريد وفيما يحتاجه الآخرين, مواقف بسيطة كهذه لم أكن أدرك أنها قد تلهم الكثير, والكثير منهم يبادلونني الصدق والابتسامة, رغم كل شيء وطبيعة عملي التي تجبرني على التعامل بحدةٍ أوقات, إلا أنني تعلمت الكثير, تعلمت ألا أغفل أحد وألا أسمح لأحد باستغفالي, وأن أتعامل مع الجميع بالحسنة, وإن كنت في أسوأ حالاتي, لندرك الضعف البشري الذي بداخلنا, فجميعنا لدينا أوجاع ولدينا هموم وجميعنا في فلك نسبح, والبعض منا يسبح بلا هدف وبلا رؤية ولا نعلم حتى إلى متى, ولكنني علمت أن السباحة لا تروق لي, فقررت الطيران وأن احلق بما أملك أتنقل من مكان لأخر ومن أشخاصٍ ولأشخاص أخرين أسمع أدرك أفكر وأتعلم بنفسي, أدرك أنني فقدت أجمل سنتين من عمري لأجل العمل في المقصف, ولم أجلس مع صديقاتي كما يجب, ولكنني لم أندم وأدرك بأني لن أندم, ليس لأني فظة القلب وقاسية, ولكن الله يدبر أمورنا ويحكم عقولنا, الرغبة البشرية التي بداخلنا علينا أن نروضها, والرهبة الإله في قلوبنا علينا أن ننميها, لن أنسى ذلك اليوم التي أرى فتاةً تقف في أخر الصف وتنتظر مكانها فقط لتشتري ماءً وتبتسم لأجلي ومع العلم أني كنت أراها بعين حزينة في أوائل عملي, كانت تأتي للسلام عليّ’ والتبسم في وجهي, لأنها تعلم بالتأكيد أني سأبادلها الابتسامة, أفعال كهذه جعلتني أذهب لعالم آخر, عالم بسيط جميل ورائع جداً, لم أكن أود الخروج منه أبداً, كانت الكلمات التي تصنع يومي بسيطة جداً, وجميلة جداً, "غدير ابتسمي دائماً فابتسامتك جميلة جداً وملهمة جداً", "أفتخر كثيراً بمعرفتك يا طموحة وأحب ابتسامتك كثير أتمنى ان تدوم هذه الابتسامة الرائعة إلى الأمام يا طموحة, أنار الله دربك وسدد خطاكِ", "تملكين قلباً طيباً، وإبتسامة رضيّة، وبهما تستطيعين فتح كُل الأبواب", أدركت وقتها أهمية أن يبتسم المرء, وعلمت لما الابتسامة صدقة؟ إننا بها نطفئ غضباً, نصنع يوماً جميلاً لأحدهم ونلهم أحداً أخر, فعلاً ديننا الإسلامي منهج حياة, وليس فقط شريعة نتبعها, الحمد لله بقدر كل شيء والحمد لله بقدر الفردوس الأعلى -الله يجمعنا بها- رسالة لكل من يقرأ اسطري, لست مضطراً أن تكون بائعاً لتدرك جمال ما عشته, كن أنت كما أنت وبمكانك هذا, فقط اجعل ميزتك التنافسية هي أن تبتسم بصدق, وتعطي كل شخص ابتسامته التي ستملئ رغبته وتملأها بحب وصدق وإخلاص..=]
أخيراً وليس آخراً, أنت تعلم أن لكل منا سحره الخاص في حياته في التعامل مع من حوله, لتجعل سحرك الأول والأكبر هي الابتسامة وأبدع في استخدامها..✌
غدير الشبيلي 25-2-2014م