الخميس، 19 فبراير 2015

قرفُ الريادةِ ومالٌ مُزيف

عالم الريادة المليء بالإيجابية والحماس والإنجاز والعمل, ورغم هذا أصبحت الريادة موضة متداولة وسلعة لكل من هبّ ودبّ فقال أنا ريادي أعمال لدّي فكرة ولديّ مشروع وأبحث عن المال في كل فكرة, لا أعلم كيف للناس أن يعاملوا منهج الريادة بهذه الطريقة, أصبحوا عباداً للدينار لا للأفكار ينشرون حب الأفكار في الخارج وحب الشهرةِ والمال في الداخل, فتسمع (الريادة وريادي ورياديون بلابلابلا) في كل مكان وكل زاوية وكأنها عدوى مريبة أصابتهم, وأصبحَ بثُ الثقة العمياء بشكل عجيب على هؤلاء الرياديون الصاعدون كما يدّعون مريبٌ جداً, فكرة أن المجتمع أصبح لديه اتجاه معين هادف هذا شيء رائع ولا خلاف عليه ولكن أن يقوم المجتمع كلّه كموجه واحدة لصناعة عالم مريب مليء بالدنيا, الكثير من الدنيا, كثيرٌ من المال مع الكثير من الشهرة لينتج عالماً ظاهرياً مزيفاً دنيئاً يحوي على بعض الواسطات والعلاقات وأخذ حقوق الآخرين على حساب الفوز بمكانة أو منصب أو مبلغ أو قذارة تتشرد من مكانٍ إلى آخر, لا أنكر الكلمات الأربع الأولى في أولى أسطري ولكن مع الأسف ما أنكره هو ماهية هذا العالم وحقيقته وصدقه ومصداقيته التي فُقِدت عند وجود الأسطر التي بعدها, في هذا العالم الشخص الصادق هو عبارة عن شخص غير منجز ومقصر ولا يدرك أو يعلم شيئاً, والكاذب الطمّاع هو شخص حسن لأنه استطاع اثبات نفسه بدناءته, لهذا هو عالم غريبٌ فعلاً, أصبح الشخص من أول ورشة (ريادي أعمال منتظر) وأصبح المال في كل شيء وأي شيء وفي كل مكان حتى في علاقات المنزل, سنرى فيه أشخاص ناجحين بجدارة وحق بتعب واجتهاد أشخاص حقيقين ملهمين تكون قضيتهم ليس قضية ريادة أعمال ولا قضية مال تكون قضيتهم هم أنفسهم, من أراد أن يكون رائد أعمال يوماً سيكون كذلك إن أراد ولكن سيكون مزيفاً, ومن أراد أن يكون غنياً او ثرياً سيكون أيضاً ولكن مزيفاً أيضاً ولكن من أراد أن يكون فكرته بكل ما فيها سيكون الاثنان معاً ولكن حقيقة دون تزيف, في أكثر من موقف ومن تجربة شخصية رأيتُ الصادق والكاذب الطمّاع ورأيتُ الراغب في الشهرة والمال والسلطة والمكانة أكثر من رغبته في تحقيق فكرةٍ ما حقيقية ومجدية, ان العقول المليئة بالعلم الصحيح والمعرفة الصحيحة هي عقول نيّرة بحق, ولكن العقول التي مُلئت بحب المال والسلطة والشهرة والثروة هي عقول مزيفة دنيوية حمقاء تبحث عن النجاح بطرق ووسائل فاشلة تماماً, لا أنسى آخر موقف من أحد المدعيّن بريادته والطمع الذي تملّكه أفقده قيمته وشخصه وأصبح شخصاً آخر لا أعرفه البتّة ولا أود معرفته ابداً, ولا أكاد انسى في صالة الانتظار مدعيّة أخرى تقول "أريد أن أصبح مشهورة بأي طريقة وأريد من جميع العالم أن يعرفني ويكون لدّي فلورز كثير" لستُ ضد الشهرة ولكني بالتأكيد ضد كل شيء مزيف متلبس بالأهداف والحقيقة وداخله خبايا حمقاء مزيفة, وطبعاً أسرد أيضاً تلك القائلة لشخصٍ عمل بجد وكد "أنت لا تستحق حتى ربع المخرجات لان انتاجيتك ضعيفة" وبالطبع تعبُ سنين البعض يضيع بطمع بعضٍ آخر في حين أن القائل من دولة لدولة يرمي العمل على الطرف الآخر ليأتي نهاية السنة ويقول مخرجاتك لا تستحق. وحقيقةً لا زلتُ استغرب من الأشخاص اللذين يدخلون هذا العالم ليتلبسوا بالكامل ويرودوه كسلعة وتسويق رخيص ليس لأجل الفكرة أو المشروع بل لأجل تسليع الذات وفقدان النفس متسائلون دوماً "ما هو تخصصك؟ وما هو مشروعك؟ وهل سافرتي من قبل لتمثيل الملتقى الفلاني؟ ووو" وهذه الأسئلة مجرد مقدمات فقط لينتهوا بأنهم هم أفضل الأشخاص اللذين لديهم أرهب المشاريع وأنهم أشخاص ناجحون وينتهوا ليثبتوا أنهم الأفضل لا محالة, طبعاً هؤلاء ابتسامة مزيفة تليق بهم أكثر, هنا سينتقدني البعض لأني لم أذكر الجانب الإيجابي وأن كل هذا غير صحيح, في الحقيقة أنا لم أكتب لأكتب ما هو الصحيح فلا نستطيع أن نحكم على الصواب والخاطأ من عين واحدة, أنما اكتب لأجد الحقيقة فقط وما رأيتهُ من تجربة شخصية يحتمل الخطأ والصواب, فالعالم الذي يلبس المال بحثاً عن النجاح هو عالم وهمي تصنعه الرغبة والطمع والجشع والتخلي عن المبادئ والمسؤولية, عزيزي القارئ وعزيزي ريادي الأعمال إن كنت تعتقد بأن العالم ينتظرك كريادي جيد فأعد التفكير مرةً أخرى حتى لا تفقد نفسك, وإن سلكت طريقاً وقد فقدت نفسك فيه فإنك ستصبحُ شخصاً آخر وهمي لا حقيقة ولا نجاح له, ولا تنسى عظماء التجارة والريادة منذ القِدم كخديجة بنت خويلد رضي الله عنها وعثمان بن عفان رضي الله عنه كانت سياستهم سياسية ثابتة صحيحة. وإن أردت أن تصبح يوماً مثل ستيف جوبز فأمشي على خطاه ولا تفكر في شيءٍ سوا أن تؤمن بفكرتك.

ومضة: توقفوا عن التسويق لأنفسكم فالعالم ليس بحاجة تسويق ذاتي مزيف.