الأربعاء، 15 يوليو 2015

سِتُون عاماً مِن الحُبياة

27.03.2056
في العاشر من رمضان قابلتها، امرأة في الستين من العُمر، أُم لأربعة أولاد وثلاثُ بنات، وجدّة لخمس أحفاد لم يتجاوزوا الكثير من العُمر.
تلك المُناضلة والمكافحة، لم تعش الكثير حسب ما تقول ناضلت لتكون (أُم) الأم التي لطالما أرادت أن تكون، وكافحت لتكمل البكالوريوس في الفيزياء، ثم ماجستير في أحد العلوم، والدكتوراه في علم الطاقة، اتقنت ١٥ لغة، بَنَت مشروعها (الخيري) ثم مشروعها (التجاري)، بَنَت معرضها الفني، وبَنَت بستاناً صغيراً في حديقة منزلها، اكملت تعليمها وحياتها كما أرادت.
- سألتُها عن أبنائها؟ أجابتني بكل هدوء؛
- "يا ابنتي الأمومة أمرٌ شاق جداً ولكنه هِبةٌ من الله؛ أن تكوني أُم ليس بالسهل أبداً، فالأمومة ليست اختيار ولا قرار، بل هي هِبةٌ مُقدرة ونعمة مُنزلة من السماء، حملُ الروح ثم إنجابها للحفاظ عليها وتأدية أمانة الله على أكمل وجه؛ مسؤولية عظيمة. لقد عاش زوجي دور الزوج، والأب، والجدّ والرفيق والشريك وكان ينفق ويعطي مما أعطاه الله، أنفق الكثير جداً، لكنه أنفق فقط. وكنتُ وقتها أعيش دور الأم الشاق، الدور لكُل شيء. عندما أنجبتُ آدم (الابن الأكبر) كانت تلك الولادة رحلة تغير وهبة وسِعة رزق وهدية من الله، لم أكن لأكون تلك الأم المُرضعة والمربية فقط، لقد كنتُ كل ما أستطيع وكل ما أقدر لأمنحه كل ما أملك، لأني أدركت أن الأم لا تُربي أجساداً فقط، بل تُربي أرواحاً، قلوباً، وعقولاً، وخُلُقاً وشخصاً وحُباً وجيلاً ومعرفة، الأم تُربي كل شيء وتعطي كل شيء منها ولو كان بكبدها، وكما أنني ربيتُ آدم! أحسنَ آدم تربيتي أيضاً، وكلما تقدمت عمراً تعلمت من أبنائي مالم أتعلمه في هذه الحياة، أنّ أُربي أبنائي لتربيتي! هذا مالم أدركه قبل إنجابهم، أُربي لأنضج، لأكبر، لأصبح أفضل مما أمسيت، لأتغير، لقد غيرتني الأمومة كثيراً وأصبحت شخصاً آخر، ولا أستطيع أن أقيس مقدار التغيير ولا بُعده ولكني أرى التغيير فيني بهم، لقد بنيتُ أفكاراً لأُربي وأُعلّم، بنيتُ مكتبة وبستاناً، بنيتُ منهجاً في الريادة والتربية، أردتُ أن أكون دقيقةً ومُرفقة ورحيمة في بناء كل شيء لهذه الأرواح وهذه الأجساد، أردتُ أن أحافظ على (فطرتهم) ولم يكن سهلاً أبداً، ولكن الأمر لم يكن بحاجة لهذا التعقيد، كان بحاجة لقليل من روح العطاء وكثيرٌ من الحبّ ووقت للمشاركة وأرواح طاهرة من الله تنير الطريق بنور الله والفطرة، كانت تجربة استمرت ٣٥ عاماً من الألم، من المتعة، من الصبر والقوة، من الكفاح والإيمان، من المشاركة ومن حُبّ الله، كانت هذه اللحظات والصعوبات والمشاعر لا تتكرر فلكل واحدٍ منهم تجربة ومشاعر وروح مختلفة ومميزة من الله، لم يكونوا يا ابنتي كما أريد تماماً ولكنني راضية بكل ما مررت به لأجلهم ولأجلي، لأني كَبرت وتعلمت بعلمهم وزمنهم وجيلهم معهم وشاركتهم روحي وقلبي وعقلي وعلمي ليكونوا أفضل وأقوى وأعزّ، وآمل أن يكونوا كما أراد الله تعالى ومحمد ، ونتيجة كل هذا! مزيداً من العُمر، مزيداً من التجاعيد، مزيداً من العمل، مزيداً من الحُب، مزيداً من الخير، مزيداً من الرضا ومزيداً من العلم الذي يُنتفع بعمله، مزيداً من بعض كل شيء، و الحمدلله لأني أُم بأرواح الله، ولأني بهم ولهم أصبحتُ بهذا السنِّ راضيةً مرضية"
- ماذا بقي لكِ لتعيشيه؟
- لقد انتهى دوري هنا، وانا هنا بهذا العمر وبهذه العصا في يدي أكمل رحلتي بين الحب والحياة لألقى الله، لأكون من الصالحين في عليين، أدعِ لي أن ألقى الله كما لقاهُ الطاهرين الصادقين قبلي، أدعِ أن أكون كما يريد هو وحده لا شريك له.

* بيني وبيني يكمنُ وقتٌ بيد الله وأقدار وأرزاق ورحمة وحب وحياة منه لمستقبلٍ عظيم ابنيه.