الجمعة، 25 ديسمبر 2015

ليبيةٌ في السماء ومُسَخَرون في الأرض

التاسع من آيار
في الطائرة: كانت رحلتي الى الرياض، اول مغامرة، اول تجربة، اول بُعد واول فَقد، كانت الرحلة مضطربة فسخّر لنا الله في السماء امرأة ليبية دعت لنا في السماء، مسكت يداي أنا وأختي وبصوت مرتفع قليلاً قالت بكل ثقة: (حتوصلو وربي حيوفقكم وحيبلغكم مرادكم) تعبت من محاولة تفسير ماحدث سالت دموعي لنسألها: (ايش الي خلاكي واثقة كدا؟) وردها المليء بالثقة: (شوفو عيونكم، بنات صغار أهلهم سايبينهم عشان العلم وربي حافظهم وبيتعبو، وتعتقدوا ربنا حيسيبكم بدون توفيق!) اقشعّر بدني بحديثها، اغلقتُ عيناي وأنا أحاول أن افسر ماحدث، دموعي تستمر بالسقوط وقلبي يتسائل! أبعد كل هذا الألم ستفرج هذه المرة؟ صمت وقلت حمدلله واستودعت ربي. في السكن: عند وصولي للسكن رأيت استقبال مشرفة السكن، امرأة كبيرة في السن من القطيف، كانت تحوي جميع فتيات السكن رغم قسوة البعض عليها بسبب مذهبها الديني، ولكنها أكرمتنا بحديثها وكلامها وقالت بلهجتها الشرقاوية: (كل البنات هنيه يعاملوني بقسوة لأني موب سنية ويضاربون معي بس أنتم باين أنكم طيبات). بعدها قابلنا كارن، فلبينية مسيحية جميلة جداً وطيبة جداً، تعمل ليل نهار لأجلنا، هي ايضاً تتلقى بعض القسوة ولكنها صبورة رغم كل شيء, كنتُ أحب أن أطبخ بعضاً من المعكرونة البيضاء وتأتي لتتناول العشاء معي وتجاملني . حارسُ الدار: أذكر مرةً بعد انتهائي من وجبة العشاء في مطعم لبناني لذيذ جداً، طلبت بعضاً للبيت خشية ان اجوع في منتصف الليل فأجد ما أكله، عند عودتي صادفت الحارس عجوز افغاني بسيط بهندامه ومخلص في عمله، لم افكر حتى اعطيته الكيس كله بما فيه، سألني : (لمين فين انت تباني اوديه؟) تعجبت من سؤاله واجبته (هذا عشاء لك ياعمي، بالعافية عليك) تعجّب مني وتعجبت من ردة فعله، رفع يديه للسماء يحمدالله ويشكر بدمعة سعد بالعشاء الذي احضرته له حتى كاد يبكي فرحاً.
العاشر من آيار
السائق: بدأت رحلة البحث عن سائق للمعهد، في الحقيقة لم ابحث كثيراً لكن الله سخّر لنا من عباده في الارض، رضي باقل سعر رغم بُعد منزله، اخبرنا بكل ودّ ولطف (الراتب لايكفيني، ومنزلي بعيد، ولكن بسبب أنكم طالبات علم صغار طموحات جيتو هنا من مكة عشان تتعلمو انا مرح اتخلى عنكم لين تلاقو الاحسن مني يخدمكم، بس لوقتها حكون معاكم) كلامه كان كالدواء، كالبلسم، كلامٌ من الله اسمعه في البشر.
في المعهد: قابلنا مدير المعهد، وعندما أخبرناه إننا من مكة قال بصوت عالي: (اه انتو من مكة دنا بحب مكة أوي، الله يخليكم ادعولي) ووضع يده على صدره وبنبرة راحة قال مرةٌ أخرى (الله يامكة واهل مكة، خلاص لو قلتولي قبل ماكنت حاخد منكو حاقة)، حاولت الفهم والادراك والربط ولكن كل ما أصل لنقطة انتهي بأخرى من الله ألا وهي: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) أدركت حينها ان كل هذه المواقف هي تسخير من الله لنا، ليخفف عنا ألم الغربة وتعب الفقد والشوق، يسخّر من يشاء ويبارك لمن يشاء، حينها أدركت ان حب الله ولطفة على عباده أشد حباً من كل شيء واي شيء فوجود هؤلاء كان تسخيراً من الله, كان تسخيراً إلهياً مريح جداً، كرمهم لنا وإحسانهم في هذا الكرم تقشعّر منه الأبدان، هم غرباء مثلي هنا، جميعُنا لا ننتمي لهذا المكان، جميعنا أتينا لغايةٍ ما ثم نرحل, نحن نحتاج ان نكون لبعض كمسلمين وكبشر فهذه السنة الكونية، فأنا أحتاج أن أحسن ليُحسن إليّ فما وجدتُ نفسي هنا ولا بين غربة هذه السطور ولكني وجدت نفسي بين تسخير إلهٍ مقدس وكرم لا ينتهي أبداً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق