الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

عندما كنت بين الحجيج ملبياً

كانت تلك البداية عندما وصلني اتصال من أحد صديقاتي تخبرني بشاغر لديهم في الحج ولم اتردد حتى وافقت وأخبرت أهلي وكانت تلك مهمة صعبة أن أخبرهم بذلك، فلم يكن من الطبيعي ان اتركهم لمدة أسبوع وحيدة! ولكن بتسخير من الله تسهلت وذهبت وانا لا اعلم سوى أنني يجب أن أعود بشكل مختلف وكان جُل ما أعلمه أن هذه ستكون رحلة المشقة الجسدية والداخلية ولم آبه بما الذي قد يحدث لي ذهبت بكل عزم مستودعه ربي كل شيء، مضت أولى الأيام في منى ومن ثم عرفة ومن ثم مزدلفة ثم عودةً إلى منى ولم تكن أياماً طبيعية بل كانت رحلة بين الشقاء بقدر أنها أيام يرى المرء نفسه مُجرداً من كل شيء، مجرداً من ملذاته ورغباته وذاته متوجهاً بكل ما فيه إلى الله عزّ وجلّ، تكبير تهليل تسبيح حمد وشكر لله لم تكن أذكار عابرة بل كانت ألفاظ تهذب ذلك القلب المتقلب، كنت أرددها بين الحجيج وكلي يقين أن (الله) الذي توجه إليه ملايين البشر هو عظيم بلا شك وكبير بلا شك، هو أكبر مني ومن تلك الهموم التي أشغلتني، ومن تلك الرغبات التي أهلكتني، كنت متيقنة أنني سأعرف الله وسط ملايين البشر كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، وأنني سأحبه كما لم أحبه من قبل، فقد كانت تلك الرحلة رحلة الحب والحرية والتحرر؛ التحرر من نفسي ورغباتي وكل ما نفسي متعلقة به، وان اترك كل هذا متوجهة لله، متجردة من الدنيا وممتلئة به في عقلي وقلبي وكل جوارحي، وان انتقل من عبادة الذات لعبادة رب العباد، كان علي التحرر من ذلك العصير الذي اشربه كل صباح واشعر بعدم اتزان ان لم اشربه يوماً، كان عليّ التحرر من تلك القطعة المعدنية ذات الـ٤ انش التي أصحو واصبح عليها، كان عليّ ان اتحرر من تلك المعتقدات التي سُجنت بها اعواماً عديدة، وكان ايضاً عليّ "التطهير"، التطهير من تلك الذنوب ومن تلك الافكار وايضاً من شرّ نفسي والشيطان وشركه وشركاءه، كان عليّ تهذيب نفسي وترويضها كما ينبغي ويجب دون إكراه او تفريط أو اجبار، كانت تلك الرحلة هي البداية لعهد أجمل من الذي عشته من قبل وأقل جمالاً من الذي سأعيشه في المستقبل، أكثر جمالاً وأكثر حكمة وحياة وشكر ورضا، كانت رحلة البحث عن الرضا والقناعة والحلم، وان لم اجد ماكنت ابحث عنه فالله دوماً يعطي عباده ما هو خيرٌ لهم لذا امنت به ربًّ وامنت به إلهً وآمنت بعطاياه وحكمته ورحمته وعطفه حتى اصبحت في زحام من نعمه.

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

ليلة هدّ الحيل


منذ فترة وانا اتساءل عن موضوع الارتباط وحفلة الزواج وتلك الفكرة على الفرحة بالتكاليف والقاعات والمصاريف التي -تهدّ الحيل- ليس استنقاصاً في ليلة العمر بهذه الطريقة أبداً بل لكل شخص الحرية الكاملة في عيش ليلته بهواه وعلى طريقته وفرحته التي تناسبه هو وشريكه، ومن المتعارف أن تكون هذه الليلة المليئة بالأشخاص والأضواء والموسيقى الجميلة أعلم مدى جمال هذه الفكرة التي لانستطيع تخيل ليلة العمر بطريقة غير هذه الطريقة وأعلم مدى غرابة التفكير في حدوث ليلة العمر بدون هذه التفاصيل، فهذه التفاصيل هي الفرحة عند الكثير وهي لاشيء عند بعضٍ آخر، فقد تكون هذه الوقفة والفستان وتلك التفاصيل الصغيرة في حقيقة الأمر لا تعني شيئاً ولا تمثل الفرحة باليوم الموعود ولا بقدسية الارتباط وفرحة الزواج، ولو أن تلك التكاليف التي صُرفت من أجل ساعات تنعدّ بأصابع اليد على مشروع الحياة للزوجين لكان أبرك وأصرف لهما أن يبدأ حياتهما بجدية أكثر، فمشكلة البعض أنه يعتقد أن الزواج هو نهاية المطاف وان على الطرفين السعي كل السعي للحصول على المال لأجل هذا اليوم الموعود! هذه الفرحة المُسماه ليلة العمر! سنين من العمل وقروض من أجل هذه الساعات المليئة بالبهرجة والتفاصيل الكثيرة التي قد تكون عُرف متعارف وفرحة مزيفة، واعتقد أنني تمردتُ كثيراً عندما فكرت في هذا الأمر من زاوية آخرى، فبطبيعة الحال والمجتمع سبل الاحتفال بهذه الليلة محدود، والحقيقة هي أن فهمنا لهذه الفرحة محدود أيضاً، وعندما تفكرت قليلاً مع نفسي وجدتُ أنه يوجد سُبل كثيرة لاستشعار عظمة هذا اليوم وقدسيته، فالمهم في هذا اليوم هو استشعار عظمة الارتباط وأهميته وادراك الحياة الجديدة لكلاهم، ومن العدل والإنصاف وخير الأمور أوسطها، يمكن عمل الحفلات عائلية وبسيطة ومباركة، وكما يقول جدي دوماً : “انا تزوجت جدتك بأبسط التكاليف، بركة الزواج في قلته وبساطته” فالقلة في البركة والبساطة والجمال والتقبّل والقبول، والشخص الذي يسعى للجوهر دون الالتفات للمظاهر بشكل مبالغ وأخلص نيته لله سيرزقه ويكرمه الله من حيث لا يحتسب ويوسع رزقه وبركته وسيسخر له من الأرض مايرضيه ومن أهل الأرض من يرضيه، أوليس الهدف من هذه الليلة هو مشاركة الفرحة؟ أألقاعة الفلانية والفستان الفلاني للحصول على التعليق الفلاني من الناس سيسعدك حقاً؟ أهذا ما تريده؟ تريدينه؟ بكل صدق! فعلى نياتكم ترزقون، فمن أصلح نيته أصلح حاله، فمن كانت نيته طيبة ولله بحلاله سيكرمه الله ويرزقه ويبارك له ويعطيه وإن لم يملك سوى سعف من التمر.

زواج الدلافين


الزواج عبارة عن مشاركة شخصين، استقلال كلاً منهم واستقرارهم مع بعض فكرياً واجتماعياً ومادياً وغيره، ولحدوث الاستقرار لابد أن يكون هناك آمان بينهم وتفاهم وود واحترام وتوافق وقبول، وهذه المفاهيم أهم من مفهوم الحب وحده، ففكرة تغيير الحياة كاملة لدخول شخص ما حياتنا هذه فكرة غير مجدية ووردية ومخيفة أيضاً، فهذا ليس الهدف الحقيقي من التزاوج الحقيقي، فالزواج مرحلة لنكمل حياتنا وليست الغاية من الحياة، سنكمل هذه الحياة باختلافات جديدة ووعي ونضج جديد ونتشاركها بجمالها وسوءها مع روح أخرى، ستكون تجربة مهمة في مسيرة الحياة ليست لعبة التجربة فيها خير برهان وليست تلك الفترة التي نعديها بالطيش، فالطرفان سيكملان طريقهما بوجود طريق مشترك يسعون فيه سوياً، ببساطة الموضوع بتلك القدسية والمسؤولية وليس بذلك التعقيد والتشديد، فالارتباط والمشاعر والزواج واختيار الشريك وتلك المفاهيم غريزة عند كل الكائنات سواءً بشر، حيوانات وحتى نباتات وكلاً منهم يعبر عن هذه الغريزة بطبيعته الفطرية التي أنعمه الله عليه بها، فالبشر هم الكائنات الأكثر شذوذاً فعلى سبيل المثال - بشكل عام وبعيداً عن أرض الواقع -: الحيوانات تتناسب وتتكاثر بطريقة طبيعية بسيطة (دلفين يتكاثر مع دلفينة وخلصنا، لا تحدث والله أعلم دلفينة أُمّ تختار دلفينة معينة لتتناسب مع ابنها - الموضوع مضحك وإن حصل منافي للفطرة) لان الاختيار هو قرار مشترك بين اثنين لا ثالث بينهما إلا الله، كيميائياً وفكرياً واجتماعياً ونفسياً، وعلى صعيد المشاعر والأحاسيس جميع الكائنات وهبها الله غريزة الاحساس والمشاعر الطيبة من حب وبغض وتعايش وتكيف وتقبل وطريقة التعايش مع هذه المشاعر تختلف، فمن يتعامل على أنها محور أساسي في كل شيء وفي كل قرار واختيار وإدخال المشاعر في كل شيء في حقيقة الأمر هذا مشكلة وليس حلّ، فمن يطالب بوجود وأهمية الحب للارتباط والزواج وعلى أساسه تُفتح البيوت وتُقام وهذه ليست المشكلة ولكن المشكلة عندما يتم بناء حياة زوجية كاملة تفتقر لمقومات الارتباط الصحيح بين الطرفين فقط باسم الحب وحده فقط! متجاهلين تماماً أن هناك من أمور ومفاهيم أهم من الحب بذاته وحده، فالحب ضروري ولكنه غير كافي، الحب وحده لن يطعم ويأكل ويشرب، فهناك من المودة والرحمة والاحترام والتعايش والتصالح والاحسان التي يفتقدها الكثير وقد تكون جميعها تحت اسم الحب الحقيقي ولكن يتم تجاهلها بكل بساطة ويكون المفهوم المشترك للحب هو العاطفة والرغبة فقط.
وكما أود أن أذكر مقولة لأحد الأصدقاء: (هناك الكثير من الكائنات عاشت وتعايشت دون التركيز في هذه الامور، ببساطة الزواج مشاركة وإحسان وللمشاعر حدود وأماكن وأشخاص وللارتباط والتزاوج أيضاً والموضوع أبسط من كل هذا ولكن البشر يحبون الدراما كثيراً) هذه النظرة لا تعمم ولا تحتمل الصواب والخطأ وليس للموضوع علاقة بالخطأ والصحيح بكل الأحوال لا داعي للاختلاف او الاتفاق هنا وقد يكون كثيراً مما ذُكر لا يمتّ للواقع بصلة، تجاهل وأعلم أننا مختلفون.

الجمعة، 15 يوليو، 2016

عندما ابتعدت عن الدين الأسود عرفتُ الله


كنا في أحد الليالي الفضيلة من شهر رمضان فدعتني أحد الصديقات إلى مُصلى السيدات في أحد الفنادق المجاورة للحرم لصلاة القيام، ذهبتُ وأنا كُلّي سلام لأستشعر هذا اليوم ومافيه وهذه الأيام الفضيلة مُحمّلة بمعاني جليلة بعد آخر معنى فهمته وهو أن الله موجود في كل مكان فأعقدُ نيّة العبادة وأُصلّي، فأكرمني الله بأن أصلي ما استطعت مع الامام واكمل الباقي واستزيد وحدي، انتهت الصلاة وفي آخر ركعة جلستٌ جانباً أوحّد نيّة الدعاء، انتهت الصلاة وغادر المصلون لتناول السحور، بقيتُ مع بعض النساء في المصلى، منهم المعتكف ومنهم المُصلي ومنهم من لم يلحق الصلاة مع الإمام، حينها أتتني امرأة قد تبدو في الأربعين او الخمسين من عمرها ناولتني تمراً وثمرة وعصيراً من التفاح مرفقة بنصيحة ( اذا صليتِ مع الامام ما استطعتِ فلكِ اجر قيام الليلة كامل، فهذا وقت استغفار استغليه بالاستغفار) جُزيتها شكراً وبدأت تسألني عني وعن عملي وحياتي ودراستي، بعدها وأنا في طريقي إلى دورات المياه سحبتني امرأة كانت مغطية وجهها ولم أدرك انها نفس تلك المرأة وقالت بنبرةٍ حادّة : (غدير! ايش هذا يا غدير! حرام يا غدير ما يجوز كشف الوجه، الاستاذة فلانة الفلانية جابت كل الادلة التي تبيح كشف الوجه ونفتها وانكرتها، أنتي بنت مكة حرام الناس تشوف وجهك هذا فساد) استنكرت الطريقة التي سحبتني بها وتعوذت في نفسي من شرّ نفسي لأردد أن المقصد من هذه المواقف ليس الردّ بقدر ان نملك نفسنا ونصبر ونصابر ونتقي الله بجوار بيته ونكف الأذى عن الآخرين وادعو الله أن ينجيني من هذا الموقف العقيم وهذا الجدال الذي لا خير فيه، تبسمت وشكرتها مرةً أخرى لأنهي النقاش بُعداً عن الجدال ورددت قائلة: أن الموضوع خلافي ولا يعنيني تقبلك لقناعتي فأنا لا أريد ان اقنعك بها هذا ليس من شأني اقناع أحد أبداً ولكِ حرية التفكير مع احترام هذا الاختلاف، ولكنها كانت مُصّرة كل الاصرار ان تثبت لي حجتها وحقها وبدأت بالتحدث عن الاسلام والأمة وأن على كل امرأة أن تغطي وجهها لتصلح الأمة وان هذا مفسدة وهلاك! صمتُ حتى اخرجت تلك التنهيدة المليئة بالشقوق (الأمّة! أمّة محمد! يااااه الأمّة) لم نكمل حديثنا رحمةً من الله وأُقيمت صلاة الفجر ثم مَضَتْ ومَضِيتُ محاولة أن اُكمل ليلتي وخُلوتي فقد كان هذا الموقف مُستنزفاً طاقة كبيرة للتحمل والأخذ والعطاء فيه! لم أفهم حقيقةً وقتها ما الذي يريده اللهُ مني لألقى تلك المرأة في ٣ مواضع غريبة جداً في حياتي ولكني على يقين بإذن الله أن الأمة فيها من التفاصيل الصغيرة ما يكفي لنتجاهلها ونركز في الأمور الأهم ثم المهم فقد يفسدها الجهل في عبادة الله وعلم محدود ونشر الفساد بالإكراه والاحكام والتصنيف والتخويف والتجبر والتعالي والتعصّب رغم كل الخير الذي فيها، فاللدين ربّ يحميه وهو بريء، إن الشعوب التي تنشئ على معرفة الله وحُبه وخشيته وعبادته قد عرفتْ الله حقْ معرفته فعبدته حقْ عبادته وقدرته حق تقديره فأحبته كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، أما تلك التي نشأت على الترهيب والتخويف ونشر الخوف بين الناس وزعزعة القلوب ومفسدة أهل الأرض وادعاء الدين وإطلاق الاحكام وتصنيف الأشخاص تلك شعوب فاسدة نتنة لن يخرج منها سوى إرهاب ودواعش بائسون يتيهون في الأرض ويتحدثون باسم الدين المعتقد عندهم انه الحق أولئك لهم من الله ما يستحقون وأسأل الله أن يهديهم ويوجهه طاقاتهم ومعرفتهم لخدمة الأرض وإعمارها، وفي نهاية هذا ادعو الله أن يغفر لي ولجميع العالمين على ما نعلم وعلى ما نجهل وينزع منّا مالا يليق بحق أمة محمد وأن يرينا الحق من عنده ويرزقنا كل السبل التي تعيننا على الصلاح والإصلاح وإعمار الأرض بالخير والمنفعة، والحمدلله ربّ العالمين.