الاثنين، 17 يوليو 2017

البرّ المهلك

دخلت الى السيارة متأملة بهذا اليوم واسمع إذاعة في الراديو عن الاهل وعقوقهم وبرّهم والإحسان لهم، تتردد في ذهني أسئلة كثيرة لا حدود لها ولا أدب ايضاً، ما هو البرّ؟ وما هو الاحسان؟ بالتحديد كيف هما البرّ والإحسان الى أبي وأمي؟ وهل علينا ان نتبع تلك الأفكار التي تقول (هو لم يكن لي أباً في أحد الايام ولم اشعر بالأبوبة معه فلمَ علينا ان نكون أبناء صالحين ان لم يكونوا اباء جيدين لنا!) هل هذه المعادلة تكون بهذا الشكل والمنظور فعلاً؟ حينها بدأت المذيعة الفاضلة تسرد القصص والحلول، الكثير من الحلول للكثير من المشاكل، نفس الحل لكل مشكلة ولكل أحد! كانت المشكلة عن الام وزوجة الابن، القصة التي نسمعها منذ الصغر والحل نفسه منذ الصغر ايضاً، انتهت بحديثها عن ان الابن عليه ان يطلق امرأته فقط لان والدته لا تحبها والسبب لأنها ليست الفتاة التي كانت تطمح بأن تكون حماتها والسبب لأنها اقل جمالاً مما كانت تتمنى! ولكن الابن مرتاح ومستقر معها ولكنه للأسف الشديد وبغباء فادح طلّقها وهدم بيتاً بكامله فقط لأن والدته اخبرته (برضايا عليك يا ولدي طلقها!) يؤسفني ان الموضوع استفزني كثيراً ولكنني اكتب هذه الاسطر من منطلق المنطق والتفكير لا من منطلق الغضب والحزن لمَ يحدث، وانا لا اتحدث بصفتي عالمة ولا أفقه في هذا الامر من شيء، انما اتحدث بفكري ومعتقدي الذي يؤخذ منه ويردّ ببساطة والذي اعلم انه قد لا يقدم ولا يؤخر ولكن لن اتوقف عن الكتابة عن امرٍ ما لان الكتابة أضعف الايمان واقل شيء أستطيع تقديمه لمَ اراه ولا يرضيني، فتكرار المشكلة يعني عدم الوعي بها وبحلها أيضاً، وقضيتي هنا عن الاهل والابتزاز الذي يعيشه الأبناء تحت مسمى البرّ والرضا، ومن هنا سأسرد بعض المفاهيم المهمة لنسدد ونقارب:
أولاً: الله ذكر الاحسان للوالدين في آية المحرمات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الله سبحانه وتعالى ذكر الاحسان في وسط آيات نهي، المطلوب انك تعطي كل شيء تفعله لأهلك بإحسان ١٠٠٪، كل طاقتك كل وقتك كل ادبك كل احترامك ١٠٠٪ ولو أصبح ٩٩٪ نقصت في واحد ستدخل في الذنب والمحرمات، الله سبحانه وتعالى لم يطلب مننا أن نؤدي أي شيء من عبادة وفروض إلى درجة الاحسان الكامل ... تكملة الجزئية في هذه الخاطرة.

ثانياً: فضل الوالدين وعظمتهم أمر بديهي عند كل مكان في كل الأديان عند كل البشر، لأن هذا أبسط شيء نقدمه لهم، ولكن! الامر لا يتجاوز حدود المعقول عند الطرفين، بمعنى الا يتجاوز هذا البرّ والرضا مبدأ معتقدي أو ديني، وسأضرب مثال الشاب الذي طلق امرأته برّاً بأمه، الإسلام دين السموحة والسلام دين استقرار وان يعيش الفرد بكل طمأنينة في حياته بكل اشكالها مخيّراً وميّسراً فيها، وان يهدم المرء احد هذه الامور لأجل البرّ المجهول هذا استخفاف بالحياة البشرية وطمس لهوية الفرد واستقلاليته، فالذي يحدث للكثير هو ابتزاز الاهل للأبناء عن طريق الاختيار في أساسيات الحياة للفرد الطبيعي كالعلم والعمل والزواج، واتخاذ القرار نيابة عنهم في أمور حياتهم الأساسية والاختيار وفق شخصيات الاهل ومعاييرهم التي تحدد مسيرتهم وتجاربهم (كلامي لا يشمل الجميع) ويصل المرء احياناً الى فقد هويته وحياته ورغباته فقط لتلبيه رغبات الاهل تحت مسمى البرّ والرضا!
الله سبحانه، تعالى خلقنا احرار بمعنى ان كل شخص في هذا العالم له حرية التفكير واتخاذ القرار دون أي مؤثر او عامل خارجي وان كان من اقرب المقربين لك، انت من تصنع حياتك وقراراتك وتحدد رغباتك، شريك حياتك وعملك ومجالك الدراسي وشغفك هي أمور خاصة بك وانت وحدك من تقرر نجاحك او فشلك فيها، الاهل هم الأشخاص اللذين لم نختارهم في حياتنا لان السنة الكونية جعلت لنا خياراتنا الخاصة في الجهة المقابلة، فانت لا تختار عائلتك ولا اسمك ولا لقبك ولا حتى لونك وهذه مسلمات لا يمكن تغيرها، ولكن انت من تختار مستقبلك، شريك حياتك، اصدقائك وحتى معتقداتك وافكارك وشغفك، انت وحدك من تحدد هويتك الفعلية وماذا تريد ان تصبح لهذا العالم، دور الاهل هو التأسيس والتكوين الى فترة ومرحلة معينة وحتى يبلغ المرء هذه المرحلة يتحول دورهم الى ارشاد وتوجيه، وهذا الأمر يمكن أن يحدث ببساطة وبكل الإحسان الذي يمكن ان نحسن به في هذا العالم لأهلنا دون ضرر ولا ضرار، فالأمر لا يكون بالاتباع الاعمى كسباً للرضا، بل بصنع الرضا والبرّ بالإثبات والحب والإحسان وصنع هوية وثقة امامهم لنثبت لهم فعلاً اننا نستحق ان نعيش حياتنا ونحن مؤهلون لذلك بجدارة. فنحن لا نستغني أو نتخلى عنهم او ننكرهم وننكر جميلهم في أحد الايام أبداً، العائلة هي الالتزام والعهد العظيم في هذه الحياة الذي اوجب الله علينا الاحسان في كل تفاصيله، فعدم الأخذ بنصيحة أو رأي والدانا في حياتنا وقراراتنا الشخصية ليس عقوقاً، وهدم حياتنا ومستقبلنا لارضائهم دون مبرر ليس براً.

هناك تعليقان (2):

  1. لا يخفى على احد ان الرغبه بالحصول على الذريه امر يريده اغلب الاشخاص اذا ما كان الكل.
    لماذا هذا الدافع ؟
    لماذا ارغب بإنجاب الاطفال وانا اعلم انهم سوف يكونوا عبئ على من الناحيه الاقتصاديه والراحه الجسديه من العمل.
    في النهايه تكتشف انه سوف يفعل اي شيء فقط ليراك افضل منه ومن اي شخص آخر ان دل هذا فإنه يدل ان الابوين يريدون ان يضعوا بصمه في حياتهم وانهم يريدون ابناءهم يحققون ما لم يستطيعوا هم تحقيقه ولكنهم سيشعرون بانه انجازهم لانه هم اللذين ربوك وعلموك واطعموك.
    في النهايه ما فائده هذا كله ؟
    لا شيء يضل الانسان مشغول في دنياه ليتناسا سؤال لا يريد ان يساله خوفا

    ردحذف
  2. كلام جريء وعميق يستحق التأمل والتداول. نحتاج لإعادة فهم واستعياب معنى البر والعقوق وحدود كلاً منهما. ما يجري هو حفظ بدون فهم لهذه القيم، التي يتم توارثها بنفس الطريقة الغير سويّة أحياناً!
    شكراً لقلمك الجميل وسردك السلِس.

    ردحذف